
في كتاب "The Mind Managers" والذي ترجم إلى العربية تحت عنوان "المتلاعبون بالعقول" يبين لنا مؤلفه هربرت شيلر ما يقوم به مديرو شبكات الإعلام الأمريكية وكيفية تسخير الصور والمعلومات التي تردهم ومعالجتها وتنقيحها وتحويلها لتتلاءم عند النشر مع أهداف الشبكة الإعلامية. مثل هذه المعالجات والتنقيحات، يوضح شيلر، أنها تسهم في صياغة وتشكل قيمنا ومعتقداتنا ومواقفنا من القضايا التي من حولنا والأدهى من ذلك أنها تحدد سلوكنا في النهاية. ويسترسل المؤلف أنه عندما يقوم مديرو أجهزة الإعلام بطرح أفكار وتوجهات لا تتطابق مع "الحقائق" المحيطة بنا فإنهم يتحولون إلى متلاعبين بالعقول عن عمد لإنتاج وعي زائف مضلل وبعيد عن الواقع.
الإعلام لا شك آلة العصر الجهنمية وما زال التطور التكنولوجي في الاتصال والتصوير والإخراج يكتب فصولا جديدة عن كيفية تسخير هذه الآلة الجهنمية التي أبدع الخبراء في تشكيلاتها واستخداماتها، الأمة العربية لا تختلف كثيرا عن غيرها في إدراكها لأهمية هذه الآلة والإمكانيات الهائلة التي توفرها لخدمة أهدافها ومصالحها، لكن بسبب تجاذبات وسياسات الأنظمة العربية فإن قلة من الأنظمة العربية تحاول النأي عن تعميق هذه الخلافات في محاولة لرأب الصدع الهائل الذي أصاب الأمة، رغم ذلك فإن التقدم الهائل في أساليب صياغة الأخبار والصور ولقطات الأفلام وانتقائها وتضخيم بعضها وحذف البعض الآخر إضافة إلى رغبة الفضائيات في تحقيق السبق الإعلامي كل ذلك ساهم بشكل كبير في مزيد من الخلافات العربية إضافة إلى إيقاع المجتمعات العربية في مصائد توجهات هذه الفضائيات.
أحد مصادر هذه الخلافات ليس في نقل الأخبار والتقارير وإنما في الطريقة والأسلوب اللذين ينقلان الخبر. بعض الفضائيات لا شك كانت وراء انعطافات إعلامية جيدة وهامة، لكن مع الممارسة العملية والظروف المحيطة أصبحت تقاريرها محملة بوجهة نظر محددة مما يسلب الآخر وجهة نظره وبالتالي يتأثر رجل الشارع العادي بمثل هذه الأخبار والتقارير بشكل يدفع القنوات الأخرى لفعل الشيء ذاته مما يزيد حالة التوتر بين الفضائيات من جهة وبين الحكومات من جهة أخرى. ولعل ما صرحت به إحدى الإعلاميات عند إعلانها استقالتها من موقعها في إحدى الفضائيات اللبنانية مؤخرا من "وجود لائحة سوداء داخل المحطة لأسماء شخصيات ممنوع ظهورها أو تغطية أخبارها على الشاشة"، يجعلنا نصاب بخيبة أمل في بعض الفضائيات التي يتوجه إليها رجل الشارع العربي مفترضا فيها الصدق والنزاهة، آلة الإعلام لا شك خطيرة، بل إن خطرها في تزايد يوما بعد يوم لكونها تنظيما مؤسسيا لا سيما وأن المتعاملين مع الإعلام لا يمكن مقارنة أعدادهم بالأعداد البسيطة خلال العقود الماضية.
رغم ذلك، تلوح في الأفق موجات جديدة من ردود الأفعال تجاه الإعلام الموجه والتي بدأت في البروز. بدأنا نرى وعيا متزايدا لدى الكثيرين من الأفراد بفعل التطور التكنولوجي الهائل عبر شبكة الإنترنت من خلال المدونات الشخصية واليوتيوب والفيس بوك وغيرها الأمر الذي قد يحول انتباه المتعاملين مع الوسائل الإعلامية والفضائيات إلى هذا النوع الجديد من الممارسات التي يبدو أن لها أيضا إيجابياتها وسلبياتها. في هذا الصدد يقول البروفيسور عادل إسكندر "إن هرم التلقي قد انقلب فلم يعد من الأعلى إلى الأسفل ولكن من الأسفل إلى الأعلى" وفي انتظار هذه التحولات يمكن القول بأن آلة الإعلام لا تزال هي المسيطرة على الساحة الآن.